قريــة

جنة خضراء بين البحر والجبل

حيث يضع التاريخ رحاله ويدق قواعده في أرض، فإن هذه الأرض تكتب أيام مجدها بحروف لا يمحوها الزمان .. والبدية .. أرض اختارها التاريخ ليحط رحاله فيها، فكتبت بعزم رجالها وأبناءها جزءاً من تاريخ دولتنا الحبيبة، بعد أن وهبها الرحمن الماء والخصب والنماء، فترك الأولين آثارهم مجداً، وحضارتهم عزاً لا يمحوه الزمن مهما طال ..

     

في منتصف الطريق بين مدينة الفجيرة حيث الجذور، وبين مدينة دبا المتوهجة بأضوائها وبحرها، تقع البدية في حضن الجبال الشاهقة، وجهها يطل على زرقة مياه البحر الذي طالما امتحن أبناء البدية في قاعه، ولطالما نجحوا في هذا الامتحان وأثبتوا أنهم أبناء البحر الأوفياء .. وظهرها في حماية جبالها وعلى شكل منحني يشبه نصف الدائرة، تستدفئ بيوت ومساكن البدية بجبالها، وتسبح في بحرها في لحظات القيظ والحر، بينما يجري وادي عذب المياه منحدراً من قمم جبالها طيلة العام بهدوء نحو البحر بعد أن يروي المزارع والحقول والناس ودوابهم . حيث تسأل أياً من أبناء البدية عن أهم ما يميزها، يقول دون تفكير : الهدوء والشلالات ..

     

ولكن حيث تزورها لن يلفت نظرك فقط الهدوء الذي يلف البلدة، وسكانها الطيبون بالفطرة، ولا شلالات الجبال المنحدرة من القمم، والتي اشتقت البلدة قديماً اسمها منها فسميت (الوريعة) نسبة إلى شلالاتها، بل سيلفت نظرك كزائر الكثير والكثير .. حيث تضم البدية أخصب الأراضي وأوفرها مياهاً، وتحيط بها مجموعة جبال من أعلى الجبال التي صدت عنها في الماضي الكثير من الغزاة، وسيلفت نظرك عشرات الآلاف من أشجار النخيل بكل أنواعها وألوانها وألوان ثمارها، وسيلفت نظرك هذا العدد الكبير من المزارع التي تمتد بطول القرية وعرضها حتى تبلغ البحر وتنتشر على ضفافه، وسيلفت نظرك وادي الوريعة بضخامته والمياه المتجمعة أمام سده حيث هو الأضخم على مستوى البلاد .

     

يرجع تاريخ البدية على ما قبل ميلاد المسيح، وانتشر سكانها بين البحر والجبل حتى دخل الإسلام البلاد فدخل أهلها جميعهم فيه، والمسجد العثماني بالبدية بناه عثمان بن أبي العاص من الحجر والطين المحروق المتوافر بالمنطقة، واتخذ طابعاً فريداً في بنائه حيث تعلو سقفه أربعة قبب مرتكزة على عمود واحد وسط المسجد، ويقع المسجد أسفل صحن مكون من برجين استخدمهما القدماء في الدفاع عن البلاد ضد الطامعين . يقول راشد بن سعيد أن أهل البدية اشتهروا في الماضي بركوب البحر والغوص، وكانوا فيما مضى أهل تجارة وزراعة ولهم علاقات وتجارة واسعة مع أفريقيا والهند، وكانوا يزرعون كل أنواع الحبوب بداءاً من الشعير وانتهاءاً بالذرة، وكانوا ولا يزالوا يهتمون كثيراً بزراعة النخيل حيث تضم البدية أكثر من مائة ألف نخلة من كافة أنواع النخيل، وهي منتشرة في الجبال والسيح وامتداد الوادي، وأيضاً على البحر وحول والدي الوريعة .

     

قال راشد أنه ليس من المعروف على وجه الدقة أصل تسمية البدية بهذا الاسم ولكن ما نعرفه عندما كنا صغاراً أن اسمها كان الوريعة ويقال أن هناك بئر لم يكن ماؤه ينضب اسمه ( البدي )، ومنه اشتق اسم البدية .   ولكن أهم مصدر مائي الآن في البدية هو شلالات ومياه وادي الوريعة، التي تهبط على جبالها المحيطة بها، وهي كثيرة ومنها جبال زيوت، كذلك هناك الكثير من الأودية بالقرية والتي تمر عبرها أو حولها، مثل وادي (الاحمده) ووادي (حصي) ووادي (نمدير) ووادي (خسارة) ووادي (الطرف)، ولكن هذا للأسف يصب في البحر مباشرة، وكذلك وادي (سمة) . ويضيف أن كثرة هذه الأودية وخصوبة الأرض دفع أهلها منذ زمن بعيد إلى احتراف الزراعة، إضافة إلى احترافهم الصيد باعتبارهم أهل بحر وبلادهم تقع عليها مباشرة، وهذا ما ساعدهم على ركوب البحر والغوص فيه، فانقسم أهل البلدة إلى ثلاث أقسام، بحارة ومزارعين ورعاة أغنام، فأما البحارة فعملوا في صيد اللؤلؤ والأسماك وتصديره إلى أفريقيا والهند، أو إلى دبي والبحرين، ويستطرد راشد : ولكن كل هذا انتهى الآن، فبعد قيام الاتحاد أطال الله عمر زايد تغيرت الحياة تماماً، وتم تحديث القرية كلها، حتى تحولت إلى مدينة عصرية، حيث البيوت الإسمنتية والفيلات والكهرباء والماء في الصنابير، وأحدث أنواع التكنولوجيا والأجهزة الكهربائية، ولذا نحن ندعو الله ليل نهار أن يحفظ لنا زعيم بلادنا وقادتنا أصحاب السمو الشيوخ حكام الإمارات .

     

وقال محمد خصيف (80سنه) وهو من الجيل الأقدم في البدية : كنت فيما مضى بحاراً أغوص إلى أعماق المياه لاصطياد اللؤلؤ، ثم السفر به بحراً إلى إفريقيا وزنجبار وممباسا. وكنا نتاجر مع هذه البلاد في معظم الأشياء ولكن دائماً كنا نصدر اللؤلؤ وأحياناً الأسماك .. وقد كانت حياتنا فيما مضى بسيطة ونحب بلادنا وأرضنا جداً خاصة البدية التي لم يكن ينقطع عنها الماء في أي وقت من السنة، ولذا فقد كانت ولا زالت من أخصب أراضي الدولة . وساعد على ذلك كثرة الأودية ووفرة المياه وحب الناس للزراعة، وخاصة الحبوب والنخيل، ويضيف : وبحرها أيضاً وفير الأسماك، وأمام البدية منطقة بحرية فيها جزيرة صغيرة اسمها جزيرة اللمساح، وهذه الجزيرة تعج بالأسماك فيما حولها، وصيادون يعملون بها دائماً لصيد البرية والكغداره والقباب والخباط وأنواع أخرى كثيرة من هذه الأسماك . ومنطقة صيدنا في الماضي والحاضر تبدأ من البدية وحتى قرب خورفكان، وهي منطقة تعتبر من أغنى المناطق البحرية بكافة أنواع الأسماك وأكثرها كثافة .

     

ويواصل قائلاً : أما في الماضي فكنت أغوص لصيد اللؤلؤ، وكان التجار يأتون إلينا هنا في البدية لشراؤه على حمير من دبي، وكان معهم ما كنا نسميه الطواشين، وهم الذين يقومون بنقل اللؤلؤ إلى التجار في دبي، وأذكر ذات مرة أن كنت في رحلة تجارية إلى سواحل إفريقيا، وهاج البحر وتحول إلى طوفان، وظللت على ظهر المركب 7 أيام تائهاً لا أعرف أين أنا، دون طعام أو دليل، حتى هدأ البحر و أنقذتني سفينة عابرة، وكان ذلك في الأربعينيات ، ولكن الآن وبعد أن قام الاتحاد أطال الله عمر زايد، تقاعدت وأصبحت أتقاضى معاش من الشؤون الاجتماعية يساعدني على الحياة، كما كبر الأبناء وتعلموا في الجامعات، حيث بنيت في البدية الآن مدارس للأولاد والبنات، وأصبحت الحياة مريحة كثيراً والخير وفير .

     

بينما يمر الوادي العميق ليفصل هذه القرى عن جبل الحمر بعمق يزداد في مناطق وينخفض في مناطق أخرى ويعترض قبيل قرية ظاهر الصفوة سد بني حديثاً، بينما تتواصل أعمال البناء والتشييد لإنشاء الطريق الذي يصل هذه القرى بقرية وادي الطويين حيث يبلغ طوله ما بين غوب حيث يبدأ الطريق وحتى وادي الطويين 32 كم، أما المسافة الفاصلة بين ظاهر الصفوة والفاي القرية فتبلغ حوالي 3 كم كلها أرض ترابية غير ممهدة وإن كان العمل يجري على إصلاحها على قدم وساق . ويقول بن ضاوي إن أسرته مؤلفة من 12 فرداً وأن جميع أولاده يدرسون بالمدارس التي تقع بمعظمها إما في دبا أو في العقامية، ولكن المشكلة أن المنطقة تعاني فقط من عدم وجود مركز صحي حيث الحالات الطارئة، خاصة وأنها تضم حوالي 32 بيتاً قابلة للزيادة بعد أن تأخذ الأجيال الحالية موقعها في الحياة .

     

وقال علي عبيد الشحي : كنت فيما مضى مزارعاً أزرع الحبوب والغليون والنخيل، وكنا نعتمد في الري على مياه الأمطار الغزيرة التي كانت تسقط على البدية دائماً، حتى سميت باسم مياهها وشلالاتها وآبارها، وكانت الزراعة مصدر رزق وفير لنا، حيث كنا نقوم بتصدير ما نزرعه إلى البلاد المجاورة لنا، أو نستبدله بالملابس والزيوت والسمن والسكر. ومضت بنا الحياة بحلوها ومرها حيث عاصرت قزات الحروب والاستعمار، وشهد الحصن المقام فوق المسجد العثماني الكثير من الدفاعات التي دافعنا بها عن بلادنا وأراضينا، وهو مكون من حصن وبري (والبري) يشبه الحصن، ولكن يستخدمه القناص للضرب بالبنادق من فوقه، وهو أصغر من الحصن والإثنان معاً هم حصن البدية، وقد أطلق عليهما هذا الاسم أجدادنا الأولين . وقال : نحمد الله أن قام الاتحاد وأن وهبنا الله رجلاً وزعيماً عظيماً مثل زايد، وكذلك إخوانه الأوفياء أصحاب السمو حكام الإمارات .

   

ويؤكد اسماعيل أحمد علي (موظف) 40 سنة ، أن أهل البدية بقدر بقدر ما كانوا أهل زارعة كانوا أيضاً ولا يزالوا أهل بحر، وحياتهم ارتبطت منذ زمن طويل بالبحر، فكان دائماً يأتيهم بالخير والصيد الوفير، سواء أكان لؤلؤاً أو سمكاً، وهذا شجعهم على القيام بعبور المياه إلى الجهة الأخرى من إفريقيا وسواحلها الطويلة وبحارها البعيدة، ومنذ أن وعينا الحياة ونحن مرتبطون بأرضنا وبلادنا، فالبدية لم تبخل علينا بخير، وحكامنا لم يبخلوا علينا بشيء في يوم من الأيام، والآن وبعد أن مضى من عمر الاتحاد 28 عاماً كان من الطبيعي أن يمتد أثر الاتحاد ليظهر على البدية، حيث تم تعبيد الطرق وبناء المساكن الحديثة، بل والفلل أصبحت أكثر من المساكن بأشكالها العصرية الحديثة، وتم بناء المدارس التي استوعبت أبناءنا وبناتنا، وكذلك أصبح في كل قرية عيادة ومركز صحي لخدمة أهل البلدة، وهو ما كنا نعاني منه كثيراً في الماضي. ويؤكد اسماعيل أن عدد سكان البدية تزايد عدة مرات وهو حالياً بين ألفين وثلاثة آلاف نسمة .

   

وقد قال محمد خميس عبد الله خصيف (موظف) : أن منطقة البدية بكل ما تتمتع به من صفات طبيعية وهبها الله لها، حيث البحر وزرقته الجميلة، وخيره الوفير، والأودية المنتشرة والآثار التي تركها لنا الأقدمون، أيضاً تتميز بارتفاع نسبة التعليم فيها وتنوع الخريجين من أبنائها في كل الوظائف الهامة، كالمهندسين والمحامين والضباط والإداريين، ونحن نعتبر أبناء عصر الاتحاد، حيث تربينا وترعرعنا في ظل القيادة الحكيمة لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، وبمتابعة واهتمام بالغين من صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي عضو المجلس الأعلى حاكم الفجيرة الذي يتابع أبناءه عن كثب ويشجعهم على تحصيل العلم وتحقيق أفضل المراكز في كل مجال، ولذا كان من الطبيعي أن ترتفع نسبة التعليم هنا في البدية .

   

ومن الجيل الأصغر نسبياً، قال أحمد علي كاسب ( 2 سنة - موظف) أن البدية تتميز بالهدوء الشديد والخضرة الدائمة، وأينما تسير تواجه الخضرة أمامك، فضلاً عن غنى المنطقة بالتاريخ والتراث، فلدينا المسجد العثماني، ولدينا قلاع وحصون منتشرة في كافة أرجاء البدية كالحصن والبري .. البدية بها ثلاث مدارس، إثنان ابتدائية والثالثة ثانوية إعدادية مشتركة للبنات، وكذلك تشتهر البدية هنا بسوق الخميس، وهو سوق خضروات وفواكه وأسماك، ويأتيه الكثير من أهل المنطقة، ويتميز بأنه موزع بين الأسواق الشعبية والحكومية الرسمية . ولدينا في البدية سدين، سد الوريعة وسد سوديه، وهي سدود تحتجز كل عام كميات كبيرة من مياه الأمطار أمامها، ورغم أنني موظف إلا أنني أعمل مع والدي في تجارة المواشي والأغنام وزراعة النخل والخضار، والحقيقة أنه منذ أن ولدت في البدية قبل 22 عاماً وأنا أشعر بالتطور المستمر في البلدة حتى أصبحت تضم ما بين الأصالة والتاريخ والمعاصرة والتحديث . ولنا أن نحمد الله ونشكر زعيمنا حفظه الله وأطال عمره وحاكمنا صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي عضو المجلس الأعلى حاكم الفجيرة .

2006