قـريـة غــوب

الغوب قرية تزهو بكفاح الأجداد

تقع قرية الغوب التابعة لإمارة الفجيرة، على مسافة 90 كيلومتراً الى الشمال من مدينة الفجيرة وتسكن هذه المنطقة التي ترتمي بين أحضان الجبال الشاهقة قبيلة اليماحي ذات الجذور العربية الأصيلة، وتتميز القرية بوجود عدد من المنازل الأثرية التي بناها الأولون وعاشوا فيها منذ مئات السنين وتوارثتها من بعدهم الأجيال محافظة على نسقها المعماري البسيط الذي لا يزال يقاوم الزمن.

     
واعتمد أهالي الغوب في معيشتهم قديماً بشكل أساسي على تربية الحيوانات وجمع محصول العسل من الكهوف الجبلية اضافة الى زراعة بعض أنواع الخضراوات والفواكه وحب البر، كما شكلت التجارة خلال أسواق دبي والشارقة ورأس الخيمة لمعظم السكان آنذاك مصدر دخل حيويا ساعدهم على العيش الكريم.

توجهنا إلى ضاحية ضنحا القديمة لالتقاط بعض الصور للمنازل الأثرية التاريخية التي عاش فيها الأولون من سكان المنطقة منذ مئات السنين وتوارثتها من بعدهم الاجيال وصولا الى الرعيل الحالي الذي غادر الضاحية في أوائل السبعينات وانتقل للعيش في رحاب شعبية الغوب الجديدة التي شيدها لهم المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في حياة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان  طيب الله ثراه. تجولنا بين أرجاء الضاحية على طبيعة الحياة قديماً في المكان وكيف عاش الآباء والاجداد في منازلهم البدائية البسيطة المبنية من الاحجار والطين وسعف النخيل راضين بما كانت تمنحهم إياه الجبال من عسل وحطب وما توفره لهم الحيوانات من لحوم ولبن وسمن.

     

أمير المنطقة الحاج أحمد بن محمد اليماحي تحدث قائلاً: عُينت عقب وفاة والدي من قبل الشيخ محمد بن حمد الشرقي رحمه الله، أميراً على منطقة الغوب وتشمل صنحا والبصيرة وسنا، ونشأت في منزل والدي بضاحية ضنحا وكانت معيشتنا وقتها بسيطة اعتمدت على خيرات الجبال ورعي الهوش والبوش وزراعة النخيل وبعض أنواع الخضراوات والفواكه التي كانت تزدهر خلال مواسم الأمطار، وتركز سكان الغوب في منطقتي ضنحا وغوب القديمة وكان عدد المنازل حينها في كلا المنطقتين حوالي (16) مسكناً منها الشتوي المبني من الاحجار والطين والعسبق ومنها الصيفي “العريش” المبني من سعف وجريد النخيل، وكان عدد الأهالي لا يتجاوز العشرين فرداً مترابطين فيما بينهم في السراء والضراء، واستطرد قائلاً: قاسينا ظروف الحياة بحلوها ومرها الى أن انتقلنا عام 1976 الى شعبية الغوب الجديدة وتغيرت بعد ذلك أنماط حياة الاهالي من العيش في منازل بدائية صغيرة الى اخرى غلب عليها الطابع المعماري الحديث.

     

وعن سبب تسمية الغوب بهذا الاسم قال: لا نعرف السبب الحقيقي فمنذ أدركنا الحياة والأسم متعارف لدينا. ويتجاذب الحاج خميس محمد اليماحي أطراف الحديث ويقول: معيشة سكان الجبال عموماً لا تعرف الاتكالية فالكل يعي منذ الطفولة اهمية السعي والعمل لتحصيل قوته اليومي سواء بتجميع محصول العسل من داخل الكهوف الجبلية أو رعي الأغنام والابقار والابل وبيع لحومها وسمنها أو من خلال جمع الحطب، مشيراً الى انه كان يحمل يوميا 20 مناً (80كجم) من الحطب بأعالي الجبال ويسير بها لمسافة أربعة كيلومترات وصولا الى قريته. وأضاف: كانت لنا معيشتنا الخاصة التي نعتز بعاداتها وتقاليدها اذ لا يكاد يمر يوم على الاهالي الا ويتزاورون فيما بينهم ويطمئن كل على أخيه وهي أمور ورثناها عن السابقين وحرصنا على الالتزام بها وغرسها في نفوس ابنائنا ليبقوا متحابين ومتعاونين، وأثنى خميس على أثر المغفور له بإذن الله الشيخ زايد، وصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان حفظه الله، من بعده في تطور الحياة التي مكنت من توطين أهل البادية

     

ويقول أحمد علي اليماحي: الحياة كانت صعبة “وايد” في الماضي حيث لا سيارات أو طرقات معبدة أو حتى منازل سكنية جيدة تحمي قاطنيها من اخطار الظواهر المناخية المتقلبة مثل الامطار والعواصف، ناهيك عن عدم وجود سيولة مادية كافية في يد الأهالي تساعدهم على مواجهة ظروف المعيشة القاسية ما اضطر العديد وأنا منهم للسفر الى السعودية والعمل ليل نهار لتوفير متطلبات أسرتي. ويلفت الى أن معاشه اليومي في السعودية كان يتراوح ما بين 8  10 ريالات من خلال تحميل الاسمنت على متن السفن، وعن أحوال التجارة قديماً قال: لم يكن امام الأهالي في ذاك الزمان من أجل تأمين أرزاقهم سوى الالتجاء لمهنة التجارة من خلال بيع الحيوانات بأنواعها والعسل الجبلي والحطب داخل أسواق دبي أو الشارقة عبر رحلات شاقة ومتعبة كانت تستغرق اكثر من عشرة أيام يبيتون خلالها في العراء بالصحراء ثم يعودون محملين بأصناف السمك والدقيق والارز والقهوة والملابس لأسرهم.

ويذكر أن حمولة البعير الصغير من الحطب كانت تباع بخمس روبيات في حين كانت تباع حمولة البعير الكبير بعشر روبيات ومنًّ العسل بثلاث روبيات وتتفاوت أسعار الذبائح من الماشية على حسب أحجامها.

     

يتحدث أحمد محمد اليماحي عن أوضاع الزراعة بالمنطقة فيقول: انصب اهتمامنا قديماً على زراعة بعض أصناف من الخضراوات والفواكه وحب البر في الوعوب الجبلية واعتمدنا في ذلك بشكل اساسي على بئر ضنحا التي كان ماؤها يوزع بالتناوب بين المشتغلين بالزراعة علاوة على ما تزفه السماء من أمطار. ويشير الى ان خيرات هذه الزراعات المحدودة كانت تفي باحتياجات الأهالي منها دونما ترويجها الى أسواق المناطق المجاورة، ويضيف: لم نكن نستخدم آنذاك أي نوع من المبيدات لذلك تميزت محاصيلنا الزراعية بنضارتها ومذاقها الطبيعي الجيد الذي نفتقره هذه الايام بسبب كثرة استعمال المبيدات.

     

ويخبرنا عبدالله علي اليماحي عن وسائل العلاج المتبعة قديما في المنطقة ويقول: تميزت الغوب بوفرة الاعشاب الطبيعية الطبية التي كان يكثر طلوعها خلال موسم الامطار مثل اليعدة والحرمل والصريو والصخبر والعنزروت واستخدم الاهالي هذه الاعشاب للتداوي بها من بعض الامراض كالحمى والصداع والكسور بأنواعها.

اضافة الى استعمال الوسم كأحد الحلول السريعة في علاج كثير من الامراض المزمنة كالفتاق والتهابات الكبد والطحال والأورام الخارجية. ويلفت الى أن ندرة الامطار خلال السنوات الماضية قللت من ظهور الاعشاب والنباتات وأصبح التداوي من العلل يعتمد على الوسم فقط

 

   

يقول عبدالله محمد اليماحي: المنطقة شهدت تحولات كبيرة في بناها التحتية عقب قيام الاتحاد الذي أرسى دعائمه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، وسار على نهجه من بعده صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، إذ عبدت الطرق وبنيت المساكن الشعبية الجديدة وتوفر خدمات الكهرباء والماء والاتصالات وهذه كلها مكارم سخية نعجز عن ردها لحكومتنا الرشيدة التي جعلت رفاهية المواطن واسعاده شغلها الشاغل. ويقول محمد علي اليماحي: نعيش الآن أوضاعاً جيدة للاهتمام الكبير الذي توليه قيادة الدولة لسكان البادية والأحوال تغيرت جذرياً عما كانت عليه في السابق. من جهته يقول أحمد علي اليماحي هناك اختلاف واضح بين ماضي الغوب وحاضرها والمتأمل في وضعية منازلها البدائية التي مازالت محتفظة بين جدرانها بذكريات وروائح الأولين سيرى عن قرب كيف كانت الحياة قديماً وما وصلت اليه الآن. ويقول خميس محمد اليماحي الأهالي عانوا كثيراً في حياتهم قبل إعلان الاتحاد المبارك ومثابرتهم وكفاحهم من أجل كسب لقمة العيش خلال تلك الفترة أمور نعتز بها في حياتنا نحن كشباب المنطقة بين الآخرين.

   
 

المصدر : جريدة الخليج

© جميع الحقوق محفوظة لموقع قرية الطويين