السبت , 25 أكتوبر 2014
آخر الأخبار
أنت هنا: الرئيسية / مواضيع مميزه / ولي عهد الفجيرة الشيخ زايد أهداني وصية غالية ولن أنساها طـوال حياتي
عسل اليماحي.. أول موقع إماراتي متخصص في العسل المحلي

ولي عهد الفجيرة الشيخ زايد أهداني وصية غالية ولن أنساها طـوال حياتي

 

حينما كان في الخامسة عشرة من عمره، شاءت الأقدار أن يلتقي بالمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، تقدم لمصافحته لكن الشيخ زايد لم يعرفه، فأخبره أحد الحاضرين انه الابن الأكبر لصاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي، عضو المجلس الأعلى حاكم الفجيرة، فأمسك، رحمه الله، بيده وقال له: «استوي نفس أبوك».

إلى اليوم لا يزال سمو الشيخ محمد بن حمد الشرقي ولي عهد الفجيرة، يتذكر تلك الوصية، التي لا تبرح ذاكرته، ويردد بينه وبين نفسه الجملة البسيطة والعميقة في آن واحد: استوي نفس أبوك!

وإلى اليوم يشعر سموه، بأن مصافحة الراحل الكبير له، كانت ذات تأثير جذري عليه وفي شخصيته، وأنه منذ ذاك الحين، قد عرف أن عليه أن يقتدي في حياته برجلين: الأول، الراحل الكبير الذي فاض حناناً وعطفاً وحكمة على الجميع، أما الثاني فهو أبوه صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي، عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الفجيرة.

يقول سمو ولي عهد الفجيرة: هيأت لي الأقدار فرصة رائعة، فقد تعلمت من رجلين رائعين، ومن قمتين سامقتين، تعلمت منهما: الصبر وحسن الإنصات والاستماع إلى الآخرين، والتريث والعمل على اتخاذ القرار المناسب بهدوء، وقد كنت في طفولتي المبكرة، أحرص على الجلوس إلى جوار والدي فيما هو يلتقي بالمواطنين، وأراقبه إذ يصغي في صبر وهدوء، ويفكر قبلما يتكلم، ويتخذ حكماً قبل أن يستمع إلى كافة وجهات النظر، وحينما يقابل الناس مرحّباً مبتسماً.

هذه أبرز الصفات التي أتمنى أن أكون قد اكتسبتها من معاشرتي لصاحب السمو الوالد، ومن قدوتي المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان.

هذه الكلمات العفوية المفعمة بعاطفة صادقة، هي بعض ما جاء على لسان سمو الشيخ محمد الشرقي، في حوار موسع مع «البيان».. حوار يتنقل برشاقة من العام إلى الخاص، ويتطرق إلى قضايا الوطن والآراء الشخصية.

 

البداية

ابتسامة سموه الواسعة، وعدم تبرمه بالحديث، ورحابة صدره، جعلت هذا الحوار استثنائياً، وكانت البداية من التنشئة الاجتماعية.

** يتأثر كل إنسان بالبيئة الاجتماعية التي ينشأ فيها، وسموك نشأت في بيت حاكم، ذي مكانة خاصة، وله وعليه مسؤوليات جسيمة، فكيف أسهمت هذه النشأة في تكوين سمو الشيخ محمد الشرقي؟

لم أشعر ذات يوم بأنني متميز كوني ابن حاكم، وهذه لم تكن ميزة بقدر كونها مسؤولية ألقيت على عاتقي منذ طفولتي، فقد كان صاحب السمو الوالد يردد على مسامعي دائما: يجب أن تكون قدوة في الأخلاق والالتزام والدراسة، وأعلم أن أي خطأ ترتكبه سيحسب عليك، لأن الناس تراقبك طوال الوقت، فإذا وقعت في هفوة صغيرة سيحولونها إلى جريمة.

هذه الكلمات علمتني منذ نعومة أظفاري أن أراقب نفسي طوال الوقت، وأن أفكر عشرات المرات قبل أن أفعل أي شيء، وأن أتجنب مواضع الزلل والشبهات، بعبارة أخرى: استويت نفس أبي كما أوصاني الشيخ زايد يرحمه الله.

أما فيما يتعلق بما تعلمته من صاحب السمو الوالد، فقد تعلمت منه، أن القرار لا يجب أن يتخذ حينما يكون الإنسان غاضباً، وأن القوي هو الذي يكبح جماح غضبه، وهو أيضاً الذي يجنح إلى العفو قبل أن يبادر إلى العقاب.

كما تعلمت أن الحكيم هو الذي ينصت أكثر مما يتكلم، ويقدر الرجال حق قدرهم، وأن الحاكم ليس صاحب سلطة بقدر كونه والداً رحيما يستوعب طموحات وآراء وأفكار وهموم شعبه، مثلما يستوعب أولاده.

ومن الأمور التي تعلمتها من سموه على المستوى الشخصي، أو بعبارة أخرى في حياتي العامة، أن الرجل الناجح، ليس فقط هو الذي ينجح في عمله، وإنما هو الذي يتمكن من الموازنة بين مقتضيات عمله وبين أسرته، وكثيراً ما سمعت سموه يقول: إن الحاكم يتحمل مسؤولية مضاعفة، فهو من ناحية مسؤول عن تربية أبنائه وتنشئتهم على قيم ومبادئ الدين والعروبة، وعليه أيضاً أن يؤدي نفس الدور تجاه المواطنين.

ومن السمات الفطرية في صاحب السمو الوالد، وهي من الصفات التي أتمنى أن تكون لدي، القدرة على التفريق بين الكلام الصادق والكاذب، وهذه فراسة خاصة ونادرة، وحينما يتحدث إلى إنسان ما، فإنه ينظر في عينيه بتركيز ومن ثم يكتشف ما إذا كان يراوغ أو يدلي بالحقائق.

وأحسب أن سموه قد اكتسب هذه الفراسة العربية، بحكم أنه خبِر الدنيا في سن مبكرة، ويكفي أنه حكم الإمارة حينما كان في الخامسة والعشرين من العمر، وهذه خبرة كبرى يتعلم منها المرؤ الكثير.

 

الصغير

** لو انتقلنا بالحديث عن صاحب السمو حاكم الفجيرة، بعيداً عن الحكم، وحاولنا التعرف على بعض الملامح عن علاقته بأحفاده.. ماذا تقول؟

لم أر جداً حنونا على أحفاده، شغوفاً بهم مثل سموه.

حينما يدخل البيت، لا يفوته أبداً أن يطمئن بنفسه على «حمد الصغير» وإن كان نائماً، فإنه يقبله من جبينه، ثم يسأل عما إذا كان تناول طعامه، أم لا، وكثيراً ما يصطحبه للنوم معه في سريره، وفي حال كان الطفل يعاني من وعكة ما، لا يطيب له نوم، ويبقى طوال الليل يتحسس رأسه ليتأكد من حرارته.

لا أغار من هذا الحنان، وحسبي أنني أخذت منه نصيبي في طفولتي، وإني لأسعد برؤية والدي وهو يفيض حناناً على ولدي «حمد الصغير»، كما يحلو للجميع أن ينادونه.

** يُفهم من كلام سموك أنك كنت طفلاً مدللاً.. فهل هذا صحيح؟

لم يلجأ صاحب السمو الوالد، في تربيته لأبنائه إلى القسوة الشديدة أو اللين المفرط، فقد كان وسطاً بين الاثنين، ولم يكن سموه يلجأ إلى الدلال الذي يفسد، أو العنف الذي يُنفر.

وكان سموه يحرص على أن تجتمع العائلة يومياً، فيتحدث إلينا حديثاً حلوا، وكان يهتم بأن يؤكد أن النعمة التي أنعم بها الله علينا، إنما هي لخير الناس ورفاهيتهم، ولا يفوته أن يذكرنا بالظروف الصعبة التي كابدها الأجداد، وما لاقوه من عناء حتى يسبروا أغوار الحياة القاسية.

ولم يكن يفوت سموه أن يذكرني شخصياً، بأنني سميت تيمناً بالمغفور له جدي، ويعدد مناقب هذا الرجل الحكيم، ويتحدث عن قدرته على إدارة شؤون الإمارة في ذاك الزمان الصعب، حيث كان الفقر يضغط على الجميع بمنتهى القسوة.

** توفي جدك قبل أن تراه، لكن كما يقال «إن العرق دساس»، فما هي الصفات المشتركة بينك وبينه؟

بالنسبة للمظهر والملامح، فإن الكثيرين يرون أنني قريب الشبه بأخوالي «آل مكتوم» في دبي، وبالنسبة للصفات، فإنني أتمنى أن أكون قد اكتسبت من جدي صفة الحزم، فكبار السن يقولون انه كان حازماً في غير قسوة، وهذه صفة حميدة رائعة.

 

** بعد مرحلة الطفولة المبكرة، كيف تصف مرحلة الدراسة، وهل كنت تشعر بأنك طالب متميز لأنك ابن صاحب السمو الحاكم؟

التحقت بمدرسة الفجيرة الخاصة، التي تخرجت منها مثلما تخرج كل إخواني، وفي الواقع، إنني لم أحظ بأية ميزة، نظراً لأنني ابن الحاكم، فقد كانت الدراسة صارمة، والمناخ الدراسي يميل إلى الانضباط العسكري، وأعتقد أن هذه المرحلة كانت بالغة الأهمية في تشكيل شخصيتي.

ولعل أبرز ما تعلمته من المدرسة، هو ضرورة احترام الوقت والحفاظ على المواعيد، وعدم تأجيل عمل اليوم إلى الغد.

 

وحينما بلغت السادسة عشرة، ارتأى صاحب السمو الوالد، أن أخوض تجربة الاغتراب، حتى أتعلم الاعتماد على النفس، فشددت الرحال إلى المملكة المتحدة، والتحقت بمدرسة داخلية هناك.

تلك المرحلة كانت الأصعب على الإطلاق، حيث وجدت نفسي وحيداً بعيداً عن دفء العائلة التي لطالما شعرت بالمتعة والأمان في حدودها.

كنت صغيراً وكان الشعور بالغربة قاسياً أليماً، وكانت ذاكرتي تحتفظ للعاصمة البريطانية لندن، أنها المكان الذي نقصده لقضاء الاجازة والمتعة، فلم أستوعب في بداية الأمر أنني هناك لغرض آخر، ولكن بعد ثلاثة أسابيع بدأت أكتشف اليقين، وعرفت أنني في مهمة صعبة، وأمامي سلسلة من التحديات التي يجب علي أن أتجاوزها.

تعاليت وتساميت على شعوري بالغربة، ولم استسلم لمشاعري السلبية، وأقبلت على الدراسة مثلما يقبل ظمآن تائه في الصحراء على نبع ماء عذب، حتى تخرجت من الجامعة، حاملاً شهادة في مجال العلاقات الدولية.

وفي الواقع، انني استفدت الكثير من تجربة الاغتراب، ففي الغربة يتعلم المرؤ أشياء لا يمكن أن يتعلمها وهو في وطنه، وقد كنت في غربتي أحتذي حذو والدي الذي تغرب صغيراً من أجل الدراسة، وكانت وسائل الاتصال آنذاك تقتصر على الرسائل المكتوبة «الخط»، التي كانت تستغرق لكي تصل شهراً أو أكثر.

بصفة عامة، أستطيع مطمئناً واثقاً أن أقول إن طفولتي لم تتصف يوماً بالدلال والسهولة والإفراط، وقد عايشت مواقف صعبة منذ الصغر، في المدرسة وفي الغربة، وذلك بالتأكيد أفادني في تحمل المسؤولية ومواجهة الظروف.

** من المعروف عن سموك الشغف بالرياضات البحرية، فهل ثمة هوايات أخرى؟

الرياضات البحرية، وعلى رأسها الصيد والسباقات، ليست مجرد هواية، وإنما هي تراث الأجداد الذي أحرص على التمسك به، وإلى جانب الرياضة البحرية، أحب الرماية، فهي أيضاً واحدة من أبرز وأهم صور الحياة في البوادي القديمة.

وبعد الدوام عند وقت العصر في الصيف؛ كما الشتاء، أحب المشي في فضاء الطبيعة، وأتوق كثيراً للذهاب إلى الجبال، حيث أشعر براحة ومتعة وانسجام وأنا أطالع «السيوح» من فوق الجبال.. أحب تلك المشاهد كثيراً.

المشي في الأماكن الطبيعية يشيع في أعماقي شعوراً رائعاً، ويجعلني دائم التفكير في عظمة الخالق عز وجل، وفيما أعطاه الله من جمال مجاني، متاح للجميع طوال الوقت، وليس علينا إلا أن ننظر حولنا فنتمتع به.

 

المنصب

** وماذا عن الحياة العامة، ومنصب ولي العهد، كيف تنظر إليه؟

يعتبر منصب ولي العهد تشريفاً وتكليفاً من صاحب السمو الوالد، ولكونه جاء بعد التخرج من الجامعة، وقد وجدته صعباً في البداية، فهو مسؤولية والتزام قبل كل شيء.

ويبدو أن تعودي في المدرسة ثم في الغربة، على استثمار الوقت على النحو الأمثل، ساعد في تأقلمي وتآلفي مع المنصب، وسرعان ما نجحت في تنظيم وقتي، حتى تمكنت من النهوض بأعباء المنصب، بما يرضي المولى عز وجل، ويرضي صاحب السمو الوالد، وأيضاً يرضي ضميري.

وعموماً.. أنا لا أميل إلى السهر حتى وقت متأخر، وأحرص على مغادرة سريري مع بدايات خيوط الشمس، وحينما أنتهي من عملي، أقوم بجولتي اليومية، وأمارس رياضة المشي بين الجبال والسيوح، ثم أقضي ما تبقى من وقت في ظلال العائلة.

 

رمضان

** يرتبط رمضان في ذاكرتنا جميعاً، بمواقف وطقوس خاصة، فما هو برنامج يوم سموك الرمضاني؟

في رمضان، أحرص ومنذ سنوات قليلة في الأسبوع الأول من الشهر على زيارة أصحاب السمو الحكام والشيوخ، والسلام عليهم وتهنئتهم بالمناسبة المباركة، وهذا الطقس تقليد لا يمكنني التخلي عنه، حرصاً على معاني توقير الكبير، والإعراب له عن احترام مكانته، ومن باب تجسيد ملامح التلاحم والتقارب بين أصحاب السمو الحكام والشيوخ والمواطنين أيضاً، ولا سيما مع صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله.

وعادةً ما أحرص على أن أحصل على اجازتي السنوية خلال رمضان، ليس لأنني أنام حتى العصر وأركن إلى الكسل كما هو شأن الكثيرين، ولكن لأن الصيام يؤثر نسبياً على مستويات النشاط، ولأن عملي في حاجة إلى تفكير عميق، قبيل اتخاذ أي قرار، وهذه عملية تتطلب تركيزاً كبيراً، وذهناً بالغ الصفاء.

وخلال رمضان لا أحب السفر خارج الدولة، بغض النظر عن أجواء الحرارة أو سواها، فهذا شهر لاستعادة روابط العلاقات الاجتماعية وتقوية روابط الصداقة بين الناس.

وأحمل في ذاكرتي أنني أثناء اغترابي في المملكة المتحدة للدراسة، لم أكن أشعر بوطأة الغربة، بقدر ما أشعر بها في رمضان، ففيه كان الحنين يتأجج للوطن والأسرة، غير أنني كنت أتعايش مع الواقع، وأستمتع بأيام وليالي رمضان، بصحبة أصدقاء وزملاء الدراسة هناك، القادمين من دبي وأبوظبي ورأس الخيمة، ومن دول الخليج المختلفة، فتلك الأيام كانت جميلة بحكم الصداقة والتعرف على أشخاص جدد.

 

الإسراف

** وهل تحب في الشهر الكريم تناول أطعمة وأكلات معينة؟

لست مسرفاً في الطعام بصفة عامة، وهو سلوك لا أتقبله على الإطلاق، ومن المؤسف ان كثيراً من العائلات تنفق خلال رمضان ما يكفي أربع عائلات، وهذا سلوك سلبي يجب التخلص منه، فهل رمضان شهر الورع والزهد والتقوى، أم أنه شهر لكي نملأ فيه بطوننا، بكل ما تقع عليه إيادينا؟.. ولكن لا بأس أيضا بأن لا ينسى المقتدر أخاه الفقير.

بعض العائلات تصاب بهوس الشراء في رمضان، فتبدد الاموال ذات اليمين وذات اليسار، كما لو كانت تعاني من «مجاعة» قبل رمضان، على الرغم من أن الإمارات واحة الخير والأمان، وكل ما يتمناه المرؤ سيجده أمامه متاحاً طوال العام.

إن الأمر في حاجة إلى تثقيف الناس بمبادئ الاستهلاك الرشيد، وغرس المبادئ التي حث عليها الإسلام في النفوس، وهذه مسؤولية على وسائل الإعلام القيام بها، ولابد أيضاً أن يؤدي أئمة المساجد دورهم في هذا الصدد.

إن رمضان بالنسبة لي ليس شهر الإسراف، وأهم ما أحرص عليه خلاله، هو صلة الرحم وزيارة المعارف والأصدقاء، في محاولة لإحياء عادات وقيم ومبادئ الأجداد والآباء، فالشخص حينما كان يمرض أو يتعذر حضوره للمجلس، تجد الجميع يسأل عنه ويزوره للاطمئنان عليه، واليوم نادراً ما يسأل أحد عن الآخر، إلا في شهر رمضان فقط، حيث تعود ملامح القدم الجميلة في التجمع والتزاور.

 

الشباب

** سموك تنتمي عمرياً إلى الشباب، فما تقييمك ورؤيتك لواقع الشباب المواطن، في إمارة الفجيرة على وجه الخصوص، وفي الدولة عموما؟

الشباب المواطن، أصبح أكثر وعياً وتسلحاً بعلوم العصر، وهناك شباب متحمس يمارس دوراً كبيراً في دعم التنمية على أرض وطنه، هذا بصفة عامة.

أما بالنسبة لأبناء الفجيرة، فمنهم شباب حاصلون على أعلى المراتب العلمية، ويتقلدون مناصب رفيعة في مختلف إمارات الدولة، وهو أمر يشيع في نفسي الشعور بالاعتزاز والفخر.

وعلى الرغم من التفوق العلمي لأبناء الفجيرة، إلا أنه تبقى مشكلتا الوظيفة والسكن، تشكلان التحدي الأكبر في الإمارة، فالوظائف قليلة، والحكومية منها محدودة، في حين لا يوجد في الفجيرة قطاع خاص واسع يمكن أن يستوعب أعداداً كبيرة من الموظفين.

وهناك نسبة كبيرة من المواطنين في الفجيرة تبحث عن وظائف، ونسبة كبيرة أيضاً حاصلة على وظيفة وتبحث عن فرصة أفضل، وتحرص إدارة الموارد البشرية في الفجيرة كل عام على إيجاد فرص في معارض التوظيف، وإن عدداً من الشباب يجد فرصته الوظيفية في القوات المسلحة والقوات الجوية وفي مطاري دبي وأبوظبي، وفي أماكن أخرى مختلفة.

 

الفتيات

وتبرز مشكلة النقص الحاد في الوظائف أكثر لدى الفتيات، اللواتي يصعب عليهن العمل في أماكن بعيدة مثل دبي أو أبوظبي، فالمسافة طويلة، وترفض معظم الأسر فكرة أن تعيش الفتيات بمفردهن، وفي النهاية إما أن تعتذر الفتاة عن العمل، أو تتقبل الأمر وتعمل لبضعة شهور قبل أن تترك عملها للأسباب السابقة.

أما مشكلة السكن، فترجع إلى أن إمارة الفجيرة محاطة بسلسلة جبلية يصعب البناء عليها، كما أن «السيوح» محدودة جداً، وهذا الواقع يفرض القبول بمنطق التفكير ببناء وحدات سكنية عمودية لاستيعاب الشباب المقدمين على الزواج.

 

السيوح

** وماذا أعدت الإمارة لحل هذه المشكلة وضمان عدم تفاقمها في المستقبل؟

في تقديري أنه خلال ثلاث سنوات كحد أقصى ستبدو الفجيرة بلا أماكن شاغرة للبناء في السيوح، وهو الأمر الذي لم يغب عن تفكير صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي، حيث اتخذ سموه قرارات بالتوسع العمراني الأفقي، وإنشاء البنايات التي يبلغ ارتفاعها عشرة طوابق وأكثر، وحالياً يجري العمل على إنشاء هذه الوحدات على قدم وساق من قبل وزارة الأشغال.

ومن شأن الوحدات السكنية، أن تخدم الشباب والمتزوجين الجدد، فهي تخفف عنهم في التكلفة، كونها أرخص بكثير من البيوت، وتقلل المصاريف المترتبة عليهم بعد السكن، كما أن كثيراً من الأسر المواطنة تسكن في شقق، ولا سيما الذين يعملون في إمارات أخرى، وفي النهاية لا بد من تفهم الواقع الجغرافي لإمارة الفجيرة، والأعداد الكبيرة التي تطلب السكن، وتلك مشكلة عامة يجب أخذها بحس المسؤولية الجماعية للتغلب عليها.

 

القروض

** تعد مشكلة القروض واحدة من أبرز المشكلات التي يرزح شبابنا تحت نيرها، ويعد توفير السكن من أهم أسباب تفاقم هذه المشكلة، فكيف تنظر سموك إلى هذه الآفة الاقتصادية والاجتماعية؟

إن مشكلة القروض المصرفية، تنجم في المقام الأول عن قلة الوعي، والحرص على المظاهر الخادعة، والأحرى بالإنسان العاقل، أن يلتزم بالمثل القائل «مد ريولك على قد لحافك»، وليس عيباً أن يقود أحد سيارة يابانية أو كورية، حتى وإن كان جاره يمتلك سيارة ألمانية الصنع، فالمهم أن كلتا السيارتين تؤديان الغرض المطلوب.

إن الشخص وإن تقلد أعلى المناصب في المجتمع، لا تنخفض مكانته حتى وإن استقل الحافلات وسيارات الأجرة، وأنا تنقلت بسيارات الأجرة مرات كثيرة، ولا أرى في الأمر ما ينتقص من قدري.

إن إدارة الأموال والديون، قد تجنب صاحبها الوقوع في شرك البنوك، فالأولى ألا يلجأ الشخص إلى الاقتراض، وإن حصل ذلك فيجب أن يكون السبب مقنعاً.

وإني أشاهد بأم عيني بيوتاً متهالكة تقف أمامها سيارات فارهة، فما الأولى؛ البيت أم السيارة؟

ولماذا لا ينفق الشخص القليل على ترميم بيته من منطلق المسؤولية الجماعية؟

من المؤسف أن هناك بيوتا لم يفكر أصحابها حتى في إعادة طلائها منذ 30 عاماً، ويهملونها وهي تتشقق أمام أعينهم، وعندما تسقط فوق رؤوسهم يلجأون إلى الصحافة «تعالوا وصوروا»، مع العلم أن معظم قاطني هذه البيوت يركبون أحدث السيارات!.

 

عيال خليفة على درب العطاء

وحول القرارات التي اتخذتها القيادة مؤخراً لخدمة المواطنين وتمكينهم في الفجيرة والإمارات الأخرى، يؤكد سمو ولي عهد الفجيرة أن «ذلك ليس غريباً على القيادة السياسية، فصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، يسير على نهج العطاء؛ الذي أرسى دعائمه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد، فكلنا عيال خليفة، وإذا سموه لم يفعل فلا أحد سواه سيفعل».

وتوجه سمو الشيخ محمد بن حمد الشرقي ولي عهد الفجيرة إلى الشباب قائلاً: «كل مواطن هو سفير لبلده داخل الدولة أو خارجها، فالإمارات مسؤولية الجميع، ونحن نريد للمواطنين أن يأخذوا مسؤولياتهم على محمل الجد، لا أن يتركوا كل شيء على الحكومة، فهناك دور للحكومة وآخر للمواطن، فالحكومة بحاجة دائماً إلى شعب متعلم وقادر على خدمة البلد، وبالتكامل الإيجابي يصبح المجتمع أقوى».

ملامح

شقاوة الطفولة واقع.. والحزم والالتزام ضرورة

 

تطرق سمو ولي عهد الفجيرة إلى شقاوة الطفولة، التي كما يقول لازمته في كثير من المواقف، فقد لعب وشقيقه الشيخ راشد في نادي الفجيرة الرياضي بضع سنوات، وكان مشاغباً في طفولته، ويهوى قيادة «الدراجات»، ويتردد كثيراً على المركز التجاري في الفجيرة لممارسة بعض الألعاب المتوفرة هناك، ويفضل كذلك الذهاب إلى دبي من أجل زيارة أقاربه هناك.

ويؤكد سموه أن طفولته لم تكن في إطار مفرط من الدلال والسهولة، بل على العكس ظل ملتزما الجدية والحزم والالتزام، ففي مدرسته على سبيل المثال درس في أجواء من الانضباط والتشدد، ومديرة المدرسة كانت تتعامل مع الجميع وفق منظور دراسي وحسب، كما أن صاحب السمو الوالد كان يتابع أبناءه ويوصي دائماً بعدم المجاملة أو التساهل مع أحد، وكذلك الأمر بالنسبة لغربته في لندن ودراسته هناك في سن مبكرة، بعيداً عن أجواء العائلة التي أحبها كثيراً، وهو ما ترك أثراً إيجابياً ملموساً في حياته بشكل عام.

ويقول سمو الشيخ محمد بن حمد الشرقي إن شقيقه الشيخ راشد يصغره بسنة، وشقيقه الشيخ مكتوم أصغر منه بأربعة أعوام، وعلى الرغم من أنه الأكبر سناً، إلا أنه يعاملهما كأصدقاء، فهو قريب من جميع أفراد عائلته، ويتواصل معهم بالتحاور والاحترام والنصيحة التي يتقبلها الجميع، حتى وإن جاءت من الصغير.

 

صفات

خفة ظل وسرعة بديهة

يتسم سمو الشيخ محمد بن حمد الشرقي ببديهة حاضرة وخفة ظل بدت واضحة أثناء الحديث لدى إجابة سموه على عدد من الأسئلة، ومن المواقف الطريفة، ما يلي:

لدى إجابة سمو الشيخ محمد بن حمد الشرقي على سؤال كيف يبدأ نهاره؟ قال «يسموني الشيبة لأني أرقد من وقت وأنش من وقت».

عند سؤال سموه عن أفضل وقت في رمضان، تردد في الإجابة بين العصر والعشاء، ثم استدرك سريعاً وقال: «بالتأكيد وقت أذان المغرب وتناول الإفطار».

قال سمو ولي العهد: «في رمضان نبقى في المجلس مع صاحب السمو الوالد حتى منتصف الليل»، فأردفت فضيلة المعيني: «يعني تسهر؟!»، أجاب: «نظامي يخترب مول في رمضان».

لدى سؤال سموه: هل سبق وطبخت ذات يوم؟، أجاب: «نعم طبخت حينما كنت أدرس في لندن، لكن الشقة امتلأت بالدخان، إنه الجوع».

حينما كشف سموه عن وحدات سكنية جديدة لحل مشكلة السكن في الفجيرة، قالت المعيني: «لكن المواطنين يعتادون تربية الدجاج، ربما يضعونها على البلكونة».. فأضاف سموه: «في الكراتين».

قال سمو الشيخ محمد بن حمد الشرقي: «درست وأشقائي في مدرسة الفجيرة الخاصة، مديرتها حرمة وايد شديدة، وما تفرق شيخ وغير شيخ، وكانت موصاية تتشدد معنا».

 

مناقب

الصبر والتسامح والهدوء أهم صفات الوالد

خصص سمو ولي عهد الفجيرة، حيزاً كبيراً من حديثه عن صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي، عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الفجيرة، مستذكراً عدداً من الملامح والمواقف التي عايشها في أكثر من مناسبة، ومشيراً إلى أن الحكمة والصبر والحلم، هي صفات دائمة تلازم صاحب السمو الحاكم في كثير من المواقف والقرارات.

وسرد سمو ولي عهد الفجيرة مجموعة من المواقف التي تترجم هذه الصفات، منها على وجه الخصوص أن أحد المواطنين كان يناقش صاحب السمو الحاكم في إحدى المسائل، وسرعان ما بدت عليه ملامح الغضب والعصبية، فأشاح بيده أمام صاحب السمو الوالد، الذي بدوره لم يقل أي كلمة، ولم تصدر عنه سوى ابتسامة أبوية هادئة، وكأنه يسامح الرجل على فعلته غير المقبولة، فما كان من ذلك الشخص إلا أن رجع ليعتذر، ويقبل رأس صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي، في مشهد يترجم الندم والاعتذار.

وأضاف سمو ولي العهد: مسؤولية الحكم ليست سهلة، ففيها مواجهة لظروف صعبة وأنماط مختلفة من الناس والشخصيات، لذلك تبقى الحكمة والتسامح والحلم من أهم الأدوات التي يمكن أن تقنع الطرف الآخر، وتلك الملامح أخذها سموه عن والده عن قناعة والتزام، كونها خير وسيلة للتريث قبل الخروج بالقرار الصحيح.

 

عادة

الهريس سيد المائدة

 

«الهريس» هو الطبق الرمضاني اليومي الذي لا يمكن لسمو ولي عهد الفجيرة أن يتصور المائدة من دونه، في حين أنه لا يحبّ مجرد النظر إليه في غير شهر رمضان.

وفي رمضان، اعتاد سموه، الذهاب خلال فترة العصر وبشكل شبه يومي، في جولة إلى ساحة الأكلات الشعبية في الإمارة، وذلك من أجل معايشة واقع إعداد الأكلات الشعبية، ومعاينة بهجة رمضان في وجوه الناس الذين يكتظون في رحاب الأكلات الشعبية، التي تلقى رواجاً رائعاً خلال الشهر الفضيل.

وبعد صلاة التراويح يبقى سموه في مجلس صاحب السمو الحاكم حتى منتصف الليل، وهذا الأمر «روتين» يعيشه سموه كل عام.

 

إقلاع

غيّرت قناعتي بسبب مرارة الهزيمة

أكد سمو ولي عهد الفجيرة أنه لا يحب كرة القدم إطلاقاً، وذلك رغم ممارسته هذه اللعبة في سنوات مبكرة من حياته مع أشقائه في نادي الفجيرة.

سموه أضاف: «في السابق كنت متحمساً للكرة بشكل كبير، لكنني وفي العام 1998 حينما لعب منتخبنا الوطني مع السعودية، وخسر في تصفيات آسيا، ونتيجة لحالة الإحباط التي شعرت بها آنذاك، فقد قررت ألا أتعصب في التشجيع ومتابعة الكرة، وأن أقلع عن هذا الأمر، بحكم حالة الخسارة تلك».

وأوضح سموه أنه يهتم حالياً بنادي الفجيرة للملاكمة والتايكواندو، الذي يراه مصنعاً للقوة والالتزام والترفع عن صغائر الأمور، مشدداً سموه على أهمية الألعاب الفردية خاصة لدى جيل الشباب الصغار من عمر 13 عاماً فما فوق، وهو ما أوجد فريقاً قوياً من الصغار يتقن هذه الألعاب، وقد وصل عدد الملتحقين بالنادي إلى أكثر من 50 متدرباً، من بينهم فتيات، وجميعهم يخضعون لمتابعة وتدريب رفيع المستوى في النادي والبيت والمدرسة على حد سواء.

ثقافات

قراءة التاريخ

تعد تلاوة القرآن خلال شهر رمضان، أهم العادات التي يحرص عليها سمو الشيخ محمد بن حمد الشرقي، لا سيما سورة الرحمن، التي يصفها بأنها تشيع في قلبه الخشوع والسكينة.

كما يهوى سموه التعمق في دراسة التاريخ بشكل عام، والتعرف على ثقافات الدول والشعوب وسير العباقرة والنابغين في كل المجالات، من منطلق أن معرفة تاريخ الشعوب توفر أرضية صلبة للتعامل مع الآخرين، لذلك فسموه يسعى دوماً لأن يتعرف على مختلف الثقافات.

وتبقى بلدان أميركا اللاتينية، البلاد التي استرعت انتباه سموه، لأنها تذخر بطقوس عجيبة، وحضارة عريقة.

المصدر : البيان 7 اغسطس 2011

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى