الثلاثاء , 2 سبتمبر 2014
آخر الأخبار
أنت هنا: الرئيسية / مواضيع مميزه / منطقة أثرية في دبا الفجيرة لا تزال خارج دائرة الضوء … قرية وم عسل النحل وحطب السمر – صور
عسل اليماحي.. أول موقع إماراتي متخصص في العسل المحلي

منطقة أثرية في دبا الفجيرة لا تزال خارج دائرة الضوء … قرية وم عسل النحل وحطب السمر – صور

تحتضن مدينة دبا الفجيرة في الامارات، مناطق وقرى أثرية قديمة متنوعة، بين جبالها الشاهقة، لها طابعها الخاص والفريد.ومنها: قرية وم القديمة التي تبعد عن إمارة الفجيرة نحو 70 كيلومتراً، وتتركز على الأطراف الجبلية من المدينة المحاذية لحدود منطقة دبا البيعة التابعة لسلطنة عمان ، وهناك في عوالم القرية وبيوتها وأزقتها، تقبع حكايات وتختبئ سرديات شيقة، تنبئنا جميعها بتاريخ المكان وقصص أهله.

ترتمي الطريق الممتدة إلى قرية وم الأثرية في دبا الفجيرة، بين أحضان الجبال ذات الارتفاعات الشاهقة والوعورة الشديدة.

وقد كانت رحلتنا الاستكشافية لعوالم تلك القرية، بمثابة لمحات تشويق وتحفيز باتجاه الاستزادة والتعمق، وبذا لم تحل صعوبة خط سيرنا، بيننا وبين متعة الاستكشاف المفصل، وكذلك العزم على استكناه المكان وتقليب واستظهار الحكايات المختزنة فيه، والملونة بعبق التاريخ وقصصه، ضمن منطقة آسرة بملامحها ودلالاتها.

وبطبيعة الحال، لم يكن وصولنا الى وم، سهلا، ولكن دافعنا ملح جدا، فعزمنا على توظيف كافة السبل لرصد معالم جماليات تلك القرية، فوصلناها باستخدام سيارات الدفع الرباعي، وكانت تنبسط امامنا، كلما تعمقنا فيها، مشاهد جميلة لقرية تغتني بوجود بقايا كثيرة لبيوت قديمة عاش فيها سكانها، منذ القدم، بهناء وسكينة.

بين خضرة المزارع

ينتمي سكان وم، إلى قبائل الحفيتي، وهم يستوطنون في أسفل سفح الجبل في المنطقة، حالياً، وذلك في بيوت شيدت لهم، بعد قيام اتحاد دولة الامارات العربية المتحدة. وتعد قبيلة الحفيتي من القبائل العربية الأصيلة، والتي شكلت في تلك المنطقة، نسيج مجتمع هادئ، يتسم في طبيعة حياته وأسلوب عيشه، بالبساطة والطيبة والمحبة والتمسك بالعادات الأصيلة.

تقابلك، عندما تحط الرحال في قرية وم، مناظر طبيعية بديعة، ومن بينها تلك المزارع الكثيرة، لتجد معها، وإلى جانب المكونات الطبيعية المتفرقة فيها، مشاهد الخضرة المتألقة دوماً، والتي لعبت فيها كبير الدور، عوامل عدة، ومنها: الأمطار السنوية على المنطقة، ما تتضمنه من وديان وعيون وآبار جوفية عذبة. إذ أسهم جميع هذا في توفير خصوبة أرض القرية وتوسيع رقعة خضرتها.

كما انقسمت أراضيها الزراعية، ما بين مزارع نخيل صغيرة متوارثة من الاجداد وقريبة من نبع ” عين وم”، وأيضا بين مزارع حديثة حصل عليها سكان المنطقة في السهل السفلي للقرية، بعد نزوحهم من القرية القديمة. وبقيت مزارع الاجداد ضمن هذه القرية، بفضل تلك المقومات الطبيعية، واعتناء الخلف بها، بمثابة إرث زراعي يحرص مواطنو المنطقة على إحيائه ومراعاته، حتى الآن.

يرجع تاريخ القرية الأثرية القديمة، القابعة على سفوح جبل وم، إلى ما يزيد على الـ 200 عام تقريباً، وذلك منذ ان أسسها الأجداد الأوائل لقبيلة الحفيتي، في ذلك الموقع ضمن دبا الفجيرة، ومن ثم توارثها الأبناء والأحفاد، وحافظوا على هذا الارث النفيس، بما يتضمنه من مفردات ومكونات غنية، وفي مقدمتها المنازل التراثية التي يصل عددها إلى الـ 70 مسكناً.

وكذلك الحظائر و”العشش” المبنية من الأحجار وخوص النخيل، فضلاً عن المزارع الصغيرة المنتشرة بجانب الوادي الكبير.

رحلة ومحطات

قادنا في هذه الرحلة في قرية وم، والتي استغرقت الساعتين من الزمن، تنقلنا خلالها، مشياً على الاقدام، كل من سعيد واحمد ومحمد الحفيتي. إذ اطلعونا على بعض ملامح الحياة التي كان يعيشها الآباء في هذا المكان، الى وقت قريب (تحديداً قبل 30 عاماً). وبدأت رحلتنا من أسفل وادي وم الكبير، حيث المساكن الاثرية القديمة المصنوعة من الحجارة والطين والمواد الخام، المأخوذة من عناصر البيئة المحيطة بسكان المنطقة.

وعلق سعيد الحفيتي، خلال مرورنا على المساكن القديمة : “ولد أحد أخوتي الأكبر سناً، في هذه القرية. وأذكر ملامح الحياة والسكن في هذا المكان، خصوصاً أثناء أيام المقيظ، حيث قضينا طفولتنا في التنقل ما بين المساكن القديمة والجديدة.

منازل من جريد النخل

تتجلى لزائر وم، قيمة خاصة، تتمثل في أسلوب تشييد المنازل القديمة، وذلك بطريقة بدائية، إذ شيدت من الحجارة وجريد النخيل وبعض أخشاب الأشجار، وكانت هذه المواد تعد بطريقة هندسية مناسبة لبناء البيوت، وكان الأهالي راضين في معيشتهم، بما كانت تمنحهم إياه الجبال، من عسل النحل البري وحطب الأشجار. وما كانت تمدهم به الزراعة المحلية من التمور والمحاصيل المتنوعة، بالإضافة إلى ما كانت توفره لهم من احتياجات، تربية المواشي، وذلك بين الجبال والوديان.

تسمية وجذر

ويقول محمد الحفيتي، عن سبب تسمية قرية وم بهذا الاسم: “نعرف القرية بهذا الاسم، منذ ولدنا، وهو اسم متعارف عليه طبعا بين الجميع ولكن هناك آراء تقول إن الأجداد والآباء هم من اختاروه، إلا انهم تداولوا الاسم من دون معرفة السبب الحقيقي وراء هذه التسمية. وبالعموم، فإن المرجح أن سبب التسمية هو كثرة أعداد الظبيان التي كانت تتخفى داخل الكهوف الجبلية في القرية، وهو ما يؤكده المثل الشعبي المعروف لدينا في المنطقة :(وم الظبيان فيها تنضم)”.

يعرفنا محمد الحفيتي على الاحوال المناخية للقرية، وسمات طقسها في فصول السنة: ” تتميز وم بالهدوء الشديد، والطقس المعتدل في معظم أيام السنة، وهذا بالإضافة إلى أنها مملوءة دوما بالبرك والآبار العذبة، التي يعتمد عليها الاهالي في ري المزروعات، فوادي المنطقة مليء بالمزارع الصغيرة التي أنشاها أجدادنا، ولا نزال نحن، كما فعل أباؤنا، حريصين على العناية بها والمحافظة على محاصيلها السنوية، حتى الآن.

وهذا رغم ما تعانيه الأرض، في الفترة الأخيرة، من شح في المياه. إلا ان مزارع وم تعتمد على مياه العين ضمنها، والتي تنوافر فيها المياه العذبة على مدار السنة، ولكن نقص المنسوب السنوي للأمطار، أضعف مياه العين وأثر على غزارتها، الامر الذي دفع أهالي المنطقة إلى شراء “تناكر” من المياه لري المزروعات المتبقية من النخيل وأشجار الحناء والبرتقال.

وكذلك بعض المحاصيل الموسمية، والتي يستفيد منها سكان القرية في معيشتهم، وهو ما يرهق ميزانيات بعض الأسر، وذلك بسبب حاجة المزروعات المستمرة إلى المياه”.

” الحوابيط”

ويشير محمد الحفيتي، إلى عادة قديمة في القرية، درج عليها الناس، وتوارثوها من الآباء والاجداد، سعيا لتأمين احتياجاتهم من المياه، بشكل دائم، وهي من خلال اللجوء إلى تشييد أحواض واسعة مخصصة للمياه، او ما تعرف باللهجة المحلية ” الحوابيط”.

والتي تفي بغرض تجميع مياه العين الجارية مياها في وادي وم، بحيث يستفيد منها أصحاب المزارع في سحب المياه المتجمعة، وفي ري مزروعاتهم، وفق نظام محدد، يضمن لكل منهم الاستفادة من مياه العين في كل مرة يمتلئ خلالها الحوض.

كما يؤكد أنه، ولوقت قريب، كان يستيقظ شخصيا، في تمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل، ليرافق والده في رحلته إلى أعلى الوادي، مشياً على الاقدام، بغرض استغلال الوقت المخصص لهم (طبقا للدور المحدد للجميع)، في الاستفادة من المياه المتجمعة في الأحواض القريبة من العين.

تغيرات جذرية

يختار والد محمد، الحاج سعيد محمد علي الحفيتي، ان يعرفنا في أحاديثه عن القرية وذكرياتها، على جوانب فريدة عايشها وخبرها منذ القدم.

ويقول في هذا الخصوص : ” تميزت المنطقة، بشكل عام، بطبيعتها الجبلية القاسية، والتي حالت دون قدرتنا على مزاولة مهنة الزراعة بتوسع. ولكن، في المقابل، كان اهتمام الجميع حينها، منصباً بالدرجة الأولى، على حماية أشجار النخيل الموجودة في وادي المنطقة، وحفظها، من خلال الأفلاج المائية التي خلفها الأجداد في أعالي الجبال، بهدف ري أشجار النخيل. ولا يزال السكان يولون عناية خاصة لهذه الأفلاج، نظراً لأهميتها البالغة في بث روح الحياة في وم “.

ويضيف الحاج سعيد:” رغم وجود العديد من الظروف القاسية التي كانت تصاحب الأهالي، صباحاً ومساء، إلا أن الحياة في الماضي كانت أجمل وأبسط من اليوم، إذ كانت قائمة على التعاون والمحبة والبركة والطيبة، بين جميع الأهالي، إن حياتنا في الماضي، كانت صعبة، حتى قيام اتحاد دولة الامارات العربية المتحدة، حيث بنيت لنا في ظله، المساكن الشعبية الحديثة في المنطقة، وخاصة في وم عند اسفل سفح الجبل، بغرض حماية الأهالي من أي مخاطر أو حوادث تهددهم”.

بساطة الحياة

من جهته، يستذكر الحاج أحمد محمد علي الحفيتي، أخو الحاج سعيد، جماليات بساطة الحياة قديماً، في قرية وم، وفي تلك المنطقة عموماً، مبيناً طبيعة تكوين منازلها البسيطة، المبنية من الأحجار الجبلية، ومن خوص وسعف النخيل.

ويتابع الحاج أحمد: ” تختزن هذه البيوت، بين جنباتها، حكايات شيقة عن أهل المكان، وعن قيمهم وطيبتهم وما عايشوه وخبروه. وهي تدلل، بكافة تفاصيلها، على أمثلة حية عن وضعية الحياة في وم، خلال سنوات كثيرة مضت.. ونجد في طبيعة التشكيل الهندسي للبيوت، كيف كانت الأسرة تعيش بكامل أفرادها، داخل حجرة واحدة في هذه البيوت، والتي يحوطها سور حجري ممتد في هذه القرية التي لا تزال شواهد منها، باقية وراسخة إلى وقتنا الراهن”.

واما عن عادات وتقاليد واعراف سكان القرية، فيقول: “ينتمي أهل القرية إلى قبيلة واحدة. وجميعهم تربى متانة الصلات والروابط الاجتماعية.

وهذا يتجلى واضحاً في المناسبات والأعياد والمآتم، إذ نجد جميع أفراد القرية يشاركون بعضهم البعض في مختلف المناسبات، ويشدون من ازر بعضهم البعض.

موارد المنطقة

تعد قرية وم، مركزا حيويا مهما في دبا الفجيرة، لعسل النحل وحطب السمر. وقد امتهن سكانها، منذ القدم، تجارة العسل، وهم لا يزالون يتصفون ببراعتهم في إنتاجه، كما يبرعون في تربية النحل ضمن الكهوف في المنطقة الجبلية ضمنها، فقد كان العسل الطبيعي مورداً مهما، اعتمد عليه سكان المنطقة في معيشتهم.

كما تشتهر القرية بإنتاجها للحطب والاخشاب التي تتميز بسمات خاصة. وكان الناس في الماضي يعتمدون في حياتهم اليومية، وبشكل أساسي، على جمع الحطب والعسل من رؤوس الجبال المجاورة للمنطقة.

كما كانوا يذهبون إلى أسواق مدينة دبا لبيعها، بالإضافة إلى تصنيعهم المحلي البسيط، لمجموعة من من المنتجات التي مصدرها أشجار النخيل من التمور . ابتسام الشاعر – البيان

التعليقات مغلقة